أوراق من حياة…الشيخ عبد الحفيظ القاسمي رحمة الله عليه.

wait... مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 15 أكتوبر 2014 - 9:52 صباحًا
أوراق من حياة…الشيخ عبد الحفيظ القاسمي رحمة الله عليه.

انطلقت مدرسة النجاح في البيرين ومحيطه تصنع النجاح، أفلا يستحق هذا الجهبذي أن نذكره، ونجدّد ذكراه العطرة، ونحيي أفكاره ونستشف منها ومن جميع مواقفه وابداعاته وأعماله كل الخير؟

1- مدخل:{..يَرفع اللهُ الذين آمَنوا منكم والذين أوتوا العلمَ درجات..المجادلة -11}النفوس البشريّة ضعيفة، يصيبها النسيان والملل والفتور،وقد تشغلها زخارف الحياة فلا تلتفت الى الوراء، وقد تصاب بالصدأ أوالتكلس ولا تعود تتذكر، والذكريات كالمسبحة ملتصقة ببعضها، فان نسينا واحدة ذكرتنا الأخرى، وان النظر في سيّر الأفذاذ من علمائنا ورجالنا الأفاضل تذكرةلألي الألباب، تعيد لنا الأمل وتجلي صور السلف الصالح، و تمنحنا قوّة ونشاطا واعتزازا بعلمائنا وبماضينا التليد،فلاريب أن التذكيربهؤلاء يثير في النفوس كوامن الاقتداء، الجزائر الكبيرة تملك رصيدأ ضخما من العلماء العاملين في حقل التربية والتعليم والدعوة الى الله،،أولئك الذين أرتوت الأمة من معين علمهم وخلقهم وجهادهم، و شباب اليوم يجهلون هؤلاء أويتجاهلون سيّرهم وأخبارهم ولايسألون، فهم يعرفون الكثير عن سيّر ابطال لاعبي الكرة ونجوم الفن والغناء وللأسف يزهدون في معرفة علماء الجزائر الفاعلين الناصحين ابان فترة الاستعمار، هذا الانفصام النكد كان سببا في ضعف منظومتنا الأخلاقية والقيْمِيَّة والتربويّة،وساهم في تشتت جهود أمّتنا العربية وعزتها، انّ ماضينا التليد حافلُ بالأعمال الفكريّة وبالرجال الأفذاذ ومن بينهم الشيخ عبد الحفيظ القاسمي،ألمع علماء الزاوية القاسمية، وأكثرهم حضورا وحركة، كانت شخصيّته لامعة ًومتألقة وله مظهر راق، يقول علماء النفس – مامعناه- في حياة كل انسان شخصية يتمنى أن يكون مثلها، ونحن الذين تعلمنا عن الشيخ تأثرنا به وكان قدوتنا،وما زلنا نذكره، وهذه لمحة مضيئة عن حياته أوجزتها في هذه الأوراق انصافا له واعترافا، هوشيخ فاضل وأستاذ جليل من علماء المنطقة المغمورين العارفين العاملين،نشأ في أسرة حظها من العلم كثير،وتميّز في وقت مبكر من حياته العلمية بالنبوغ،وهو الذي عاش للعلم، ونشأ في بيت العلم ، ولقي ربه وهو يخدم العلم،هذه النبذة من حياته جمعتها وعملت علي ترقيمها حسب سياقها التاريخي واعتمدت علي مروياتي بالخصوص وعلى وثائق ومعلومات لدى الأصدقاء ومن أسرة الشيخ، ولم اتطرق فيها الى أعماله الابداعيّة ، وكنت أنوي تقديم نماذج حيّة من كتاباته الرائعة وأنتظرت وحاولت ولم أفلح، اذ العين بصيرة واليد قصيرة.” كما يقال، فاكتفيت بسيرته العطرة المحفورة في أفكارنا وهي باقية وأهم أعماله الفكرية والإبداعية محفوظة عند أفراد من عائلته و لم تعرف طريقها بعد إلي القارئ والدارس 1.و يبقى الأمل منوطا بأسرته الكريمة وبطلبته وبمن عرفه أو يحتفظ بأعماله التفضل بطبعها والإفراج عنها،والكشف عن مخطوطاته النثريّة وأشعاره بخاصة.

2- فالشيخ عبد الحفيظ القاسمي وا حد من الشخصيات الاسلامية الفذة و المتميزة والتي قلما جاد أو يجود بها الزمان، قدّم لعلوم العربية وآدابها خدمات معتبرة، وقدّم للفقه الاسلامي وأصول الدين وعلوم الشريعة واللغة العربية أجل الخدمات وأنفعها للبلاد والعباد، ساهم وبكل تفان في المحافظة على مقوّمات الشخصية الوطنية وبكل ما أوتي من قوة وحكمة وبعد نظر، كانت حياته تطبيقا عمليًّا لما يقوم به وينصح، مدرِّسا و مشاركا في الجمعيات الوطنية، وكاتبا في الجرائد، ومحاضرا في النوادي والملتقيات، مدافعا عن اللغة العربية دفاعا مستميتا، وكان في دفاعه عمليا فاعلا جريئا كأشياخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلمائها ودعاتها وبذات الاهتمام وبالتوجه الاصلاحي الهادف، مسخرا جهده ووقته وما يملك لنشر العلم ونفع المتعطشين له، كان يردّدفي مجالسه نص الحديث:{من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له به طريقا الى الجنة..} 

خاض المعترك العلمي بوفاء ووعي، ووفق الى أبعد الحدود،هذا الشيخ المَعْلمُ لم ننصفه ولم نذكره للأجيال رغم أنه خدم الأجيال 
بمئات المتخرجين من مدرسته{ النجاح} في مطلع الاستقلال وقبله، وكان من الواجب أن نجلو حياة أمثال هؤلاء العباقرة ونجدّد مآثرهم بإزالة الغبار من على آثارهم ، وابراز أعمالهم الخوالد وجعلها فى المتناول للأسف لم نفعل، في هذه العجالة ومن خلال هذه الأوراق المتواضعة جدا، أتشرف بتقديم ا لشيخ عبد الحفيظ ألقاسمي إلى القارئ الكريم عساه يظفربابداعاته، ومخطوطاته، والى ذوي الاختصاص من الدارسين والباحثين ربما يهتـدون الى هذا الانتاج المطوّق، وهم بالطبع أقدر منا على الجمع والغربلة والتمحيص، ولعل طلبته وأصدقاءه وعائلته وكل من يملك فكرا أوقلما مهتما بالأدب يعنيه الأمرويستهويه، ولاشك أنهم سيساهمون في اثراء المعلومات والدراسات المتعلقة بهذه الشخصيّة الفذة الكريمة، وبانتاجه الفكري المحفوظ في تلك الادراج المهجورة، ومن يدريك فلربما{خيرالأمور ماكان معتقا} فمن هو الشيخ عبد الحفيظ القاسمي؟ وما هي أعماله ؟ 

3- يمكن القول وبكل صدق أن الشيخ عبد الحفيظ الموسوعة، وحيد زمانه، وفريد عصره، فهو رجل خبير بالحياة العصرية ومتطلباتها الفكريّة والحضاريّة، غيرمتواكل ولامتقاعس، مكين في القرآن الكريم، وآدابه وعلومه، أخذ من معينه الفيّاض الذي لاينضب،ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيرته العطرة، مايبدّد به ظلام الجهل الدامس المخيّم يومئذ على النفوس الحائرة في ليل استعماري بهيم لايرحم، والذي ازداد توحّشا وتحرّشا، وقطرسة وقهرًا للعلماء والوطنيين، بازدياد الوعي السياسي، وبانفجار حرب التحرير المباركة، في هذ ه الأجواء المدلهمة راح الشيخ المقدام وبكل تواضع وهدوء يجابه بفكره المتوقد، وعلمه الفيّاض، وحركته العلمية التعليمية الدؤوبة، التي لاتعرف الكلل ولا الملل ولاالمداهنة، يجابه تعليما غريبا، وغزوًا فكريَا رهيباَ، وسلوكات استعمارية مغريّة للشباب، ومثبّطة للعزائم، تصدى كأمثاله من العلماء المجاهدين، والوطنيين المخلصين، وأهل الزوايا العلمية المرابطين المصلحين، أقول تصدي لمخططات الاستعمار الثقافيّة الرهيبة،كالطود الأشم، بتعليم عربي اسلامي أصيل، وبكل تواضع وصبر وثبات، خاض المعركة كأمثاله{2} فكان تعليمه جادًا، وارشاده صادقا، وتوجيهات صائبة وارادته قويّة صلبة،و كانت ثقته بنفسه كبيرة، وهذا فى اعتقادنا هو سرّتفرّده بالتوفيق والنجاح، قرّب منه الرجال المخلصين الأتقياء، وتقرّب الى الشباب الواعي، وشجّع الأوفيّاء الفاعلين، وبعث فى جموع وعيهم الوعي و الأمل، وحب الوطن، والتفّ من حوله كبار القوم وساعدوه، وبكل اخلاص وصِدق وقفوا الى جانبه، وتلقي منهم الدعم المادي والمعنوي، ومن قيّادة الثورة في النواحي التابعة للولاية الرابعة والسادسة كل التأييد و الحماية، انطلقت مدرسة النجاح في البيرين ومحيطه تصنع النجاح، أفلا يستحق هذا الجهبذي أن نذكره، ونجدّد ذكراه العطرة، ونحيي أفكاره ونستشف منها ومن جميع مواقفه وابداعاته وأعماله كل الخير؟ ألم يأن للذين عرفوه وتعلموا منه وعنه واستفادوا من مجالسه الممتعة ومن مواقفه الرائعة أن ينصفوه ويعيدوا له على الأقل حضورا فكريا تربويا وثقافيا ليجدّدوا من خلاله ذكريات طيّبة، وبناءات ثقافيّة شامخة، ظلت قائمة في هذه الديار، وفي البيرين بالخصوص، البلد الطيّب والمدينة العامرة المضيافة ، التي احتضنت مشروعه الثقافي، في ظروف صعبة للغاية، وفي أجواء معتمة مشحونة بالمتناقضات، فشرفته وشرفها، وفيها فسح المجال للشباب المتلهف الى الثقافة العربية الاسلامية السيّدة، فانتظموا في مدرسته الحرة التي اخترقت بصحوتها حواجز الاستعمار ومحضوراته، وتحدت 

قوانينه وثقافته،وكان النصر مبينا ،{3} نتساءل لماذا أسدل الستار عن أمثال الشيخ عبد الحفيظ القاسمي وهم كثر؟ من أبعد هم من الذاكرة طوال هذه السنوات؟ أين انتاج الشيخ الفكري الغزير؟ من الصّعب أن نجيب! ومن الانصاف والموضوعيّة أن نقول: لافائدة في تراث محنط {2} والى متي سيظل محفوظا؟لامعنى لمثقف يحتجز ابداعات غيره،أكيد هي من التراث الوطني، قلت هذه الأعمال أم كثرت، أفادت أم لم تفد، فان لم تكن تخدم الحاضر فهي علي الأقل تفيد في المستقبل، ولايمكن أن نغمط الناس حقوقهم، ومن الواجب أن نذكر اسهامات علمائناوأشياخناومن شارك في الحياة الثقافية من بعيد أوقريب، ونذكر بالخصوص الذين ساهموا في فترة من تاريخ امتنا بجهدهم، وبادروا في ظروف حرجة ومتميّزة بالتحدي، ومن المحزن أن يساء الى التراث، ومن المخجل أن لانكترث بذلك الموروث الانساني، فمتي يفرج عن أعمال الشيخ؟ و متي نميط اللثام عن هذه الكنوز النائمة، فالشيخ عبد الحفيط الموسوعة كان فضاء رحبا، وكان محط ّأنظارالمثقفين والعارفين فى وقته، بل كان قبلة لروّاد الحركة الثقافية والفكرية في الجزائر، الأساتذة منهم والجامعيون والدارسون، فقد زاره المفكر الجزائري ” مالك بن نبي ” عام 1967 ومكث عنده اسابيع،وظل يتردّد عليه، وكانت بينهما مراسلات ولقاءات، وتردّد عليه أعضاء من المجلس الاسلامي الأعلى، وعناصر من جمعية العلماء المسلمين، وعلماء أجلة من الأزهر الشريف العاملين ضمن البعثات الثقافية، ومنهم ا لشيخ الشعراوي، وأشياخ الزوايا، وأصحاب الرسائل الجامعية،وشعراء وصحفيون، ومكنهم من الاطلاع على المخطوطات وأمّهات الكتب النادرة ، وهيأ لهم ظروف البحث والدراسة والعمل، وللأسف لم يذكروه.

وجلس فى حلقات العلم وكان متقدما في التحصيل، بل من أنبغ الطلبة وأذكاهم، أخذ على أشياخ الزاويّة وعلمائها من أشراف الهامل خاصة، علوم الشريعة والفقه،وأصول الدين وفقه اللغة وآدابها وكان مقربا من شيخه الأستاذ بن عزوز القاسمي ينوبه في حلقات العلم، ونال اجازات كثيرة، وشهادات …

4- حياته :ولد الشيخ عبد الحفيظ القاسمي عام { 1330هـ 1912 م بالهامل{بوسعادة } عمالة تيطري سابقا{ ولاية المسيلة حاليا} ..والده الشيخ بلقاسم بن محمد بن أخ الشيخ محمد بن بلقاسم مؤسس زاوية الهامل، وقد تولي والده مشيخة الزاوية { 1918 /1928 } وكانت له حلقات علم مشهودة، وله تآليف مخطوطة..أما والدته فتدعي عائشة بنت عبد المؤمن أحد قضاة مليانة،عاش الشيخ مكرما في وسط علمي محترم، يعجّ بألوان المعرفة، وعلوم الدين، وفنون الأدب واللغة،وبيوت مكتظة بآلاف من طلبة القرآن الكريم، وحلقات العلم المختلفة وحظي بتربية خاصة وباهتمام الوالدين الكريمين،حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وجلس فى حلقات العلم وكان متقدما في التحصيل، بل من أنبغ الطلبة وأذكاهم، أخذ على أشياخ الزاويّة وعلمائها من أشراف الهامل خاصة، علوم الشريعة والفقه،وأصول الدين وفقه اللغة وآدابها وكان مقربا من شيخه الأستاذ بن عزوز القاسمي ينوبه في حلقات العلم، ونال اجازات كثيرة، وشهادات علمية من الشيخ الكتاني وغيره، وأصبح من أعلام الزاوية القاسميّة، بله شيخا من مشايخها الكبار، يجله ويقدره الجميع، ، تجدر الاشارة هنا أن زاوية الهامل فتحت أبوابها لطلبة العلم عام 1863 وذاع صيتها يومئذ،قال عنها الشيخ الحفنوي صاحب تأليف الخلف:{ان زاوية الهامل لاتطأطئ رأسها للزيتونة ولا للقرويين} وقال عنها المؤرّخ توفيق المدني في كتابه حياة كفاح: بأنها {معقل العروبة والاسلام} وقال عنها المستشرق جاك بيرك اثناء زيارته للهامل:عام 1964{ ان تاريخ زاوية الهامل يهمّ تاريخ المغرب بأسره…}في هذه البيئة العلمية المعطاء عاش الشيخ عبد الحفيظ ونشأ بين العلماء والطلبة، كان رجلا متواضعا، قصير القامة بدينا وسيما عندما يتكلم كأن الناس على رؤوسهم الطير، ذكيّ قويّ الحافظة طويل الأناة، فصيحا ذا هيبة ووقار، فهو بليغ العبارة، واضح التعبير، دقيق في نقل فكرته، ويحرص على أدائها بلغة فصحى، يملك ذخيرة لغوية غنية، متدفق المشاعر، متوهّج العواطف،مرهف الاحساس،متحمّس للعمل الجماعي،يحترم رأي الجماعة، طيب القلب،أعطاه الله بسطة في الجسم وحسن سمت وجمال،سهل الجانب ،كريم النفس، واسع الائيثار،حسن الألفة والمعاشارة، عالي الهمّة واسع الصدر كثير التحمّل، يجلس الساعات الطوَال في حلقة الدرس ولا يتزحزح،داره ملجأ للطلبة والفقراء، مشرّعة لأهل الفضل ولكبار الجماعة في كرم حاتمي، فقريتنا الوديعة{ البيرين} بَصَمت ْبجليل أعماله ومواقفه الانسانية الملوّنة بشتى صوّر النبل والشهامة،والقدرة على مسايرة قوافل الاصلاح،كانت قراءاته متنوّعة، يتابع الجديد بشغف ويبحث في أمّهات الكتب، يجلس الى تدريس علوم اللغة والفقه والحديث والتفسير، ويلازم الزاويّة رغم انتقاله الى بوسعادة في مطلع الأربعينات،{1947 }كان سياسيا بارعا ومحاورا ذكيا، ولذلك فإنه أصبح رئيسا لجماعة أولاد نايل {جمعية علمية ثقافية}{1} ولعب من خلال هذه الجمعية دورا كبيرا في اصلاح ذات البين، والتكفل بمشاكل ومصالح القبائل الرحل منهم بالخصوص، وكانت العملية نواة لاستقرار البدو وإعادة إدماجهم في الحياة السياسية، يساعده الدكتور لعراف علي بن دياح والذي اصبح بعد الاستقلال مديرا للمعهد النووي والبحث العلمي وبحوزة هذا الرجل وثائق مهمة .

وقد أهلته هذه المهام ليكون من نجوم الحركات الوطنية،عضوا فاعلا في نجم شمال افريفيا، ثم في حزب الشعب، ليلتحق بخلايا الثورة المباركة فيما بعد وإلى جانب ذلك كان يتولى تسييرممتلكات الزاوية ويدير العمليات الفلاحية في الأراضي [الحبوس] التابعة لزاوية الهامل، وكان له نشاط تربوي واجتماعي وسياسي وعلمي فيّاض مع أحد أفراد عائلته يدعى” الحاج عبد القادربن أبي القاسم “الذي أسّس جريدة {الرشاد} عام 1938 وأدارها الشيخ عبد الحفيظ الى أن توقفت قبيل الحرب العالمية الثانية، عبد القادر القاسمي تربطه علاقة عضويّة بجمعيّة العلماء المسلمين، بل هو من الأعضاء المؤسسين، وكان نائبا في البرلمان{1951 }، لذلك تجد الشيخ عبد الحفيظ يتردّد كثيرا على العاصمة{1} كونه هو الآخر،عضوا مؤسسا في جمعية العلماء المسلمين التي تأسست عام 1931 كردّ فعل قويّ وشجاع علي احتفال فرنسا بالذكري الميئوية لاحتلال الجزائرفي1930وهذا قصد اذلال الجزائريين وتركيعهم وقتل روح الثورة فيهم،وكانت غاية الجمعية في إصلاحها تخليص الدين من بعض الشوائب والانحرافات، والمحافظة علي الشخصية الجزائرية العربية المسلمة،وتعليم العربية،وتعميق الوعي في نفوس الشباب، كان الشيخ ينشط في هذا الإطار بقلمه السيّال ويعمل ضمن لجان معارضة، مشكلة ضد قانونالأحوال الشخصية،اذ الطريقة الرحمانية الخلواتية في تكوينها وفي أد بياتها علميّة جهاديّة مناوئة للاستعمار مذ أن وطئت قدماه أرض الوطن،وهي مستمية في الدفاع عن القرآن الكريم واللغة العربية،لذلك فلاريب أن يكون الشيخ هذا الشبل من تلك الأسود المرابطين، فطاحله العلم المجاهدين،هذا و لما تغيرت الأحوال، وهبّت رياح الثورة على المنطقة، كانت الهامل ومحيطها بحكم التضاريس والجبال الوعرة، والغابات الكثيفة، منطلقا للطلائع الأولى للثورة عام 1955، لذلك فان بوسعاد وبحكم موقعها وشهرتها، تهندست فيها أفكار الثورة مبكرا، وتبلورت الأهداف والمطالب، و تسارعت فيها الأحداث، الي درجة أنهااختلطت فيها بعض الأوراق{2} وبلغت المعارك أوجها عام 1958 لهذا فان الشيخ وبالنظر الى علاقته المتميزة، وسمعته الطيبة، ومكانته فى قلوب أهل العلم والاصلاح والخير، أصبح محط اهتمام،ومحل مضايقة ومتابعة،من طرف الحاكم العسكري،وفعلا وجد نفسه ذات خريف على رأس قائمة لستين{60} شخصيّة من أعيان بوسعادة مستهدفة ومطلوبة من الحاكم العسكري، فأشعر من طرف قيادة الجيش فى الولاية السادسة، وكذلك من أحد البشغوات بضرورة الإسراع في تغييرالاقامة، بعيداعن العيون التي باتت ترصده، توجّه الشيخ رفقة عائلته فى خريف عام 1959 الى حاسي بحبح ثم عين وسارة فعين بوسيف ثم الى البيرين، التى وجد فيها الأمن وحسن الاستقبال، فا ختارها دار اقامة ونشاط علمي بعد أن فتح فيها مدرسة “النجاح “، وشرع في تدريس الفقه على المذ هب المالكي، وقواعد اللغة العربية، وفى سكن متواضع جدا،انتظمت حلقات العلم، وكانت بحق 

فضاءات حافلة بجلائل الأعمال،عمليات تربوية تعليمية را ئدة مفتوحة على طلبة العلم، ومن مختلف الأعمار والمستويات، وانطلقت الدروس بصفة رسمية ومعلنة فى الفاتح نوفمبر 1959 
وبعد ان استأنس الطلبة لهذه الحلقات وألفوها، كان لابد من تحديد وتنظيم المستويات، وتبعا لذلك حدث التفويج، طبقة للكبار، وطبقة للصغار، ويتولى الكبار مساعدة الشيخ في تعليم الطبقة الأولى ،وتحضير دروس الطبقة الثانية [ من طرف السباق أو النظار ] 
وللغرض ذاته شكل مجلسًا علميًّا ولجنة للافتاء{ الحاج محمد بن عطاء الله..الامام الشيخ داسه بلخضر – بلقاسم ابراهيمي العلامة – شويحة الدراجي- قدوربوشريط – أحمد الفاطمي – عمراني علي -عمراني محمد الصغير – متقدم الحاج السلامي – خضراوي بن أحمد،دحية لخضر ..الخ..} وتوافد الطلبة من المناطق المجاورة والبعيدة،وتعدّدت الحلقات، وكثرت الحركة،بعدأن ذاع خبر افتتاح المدرسة، وتوسّع مجال التدريس فيها،ولأنه غطي علي كل الأنشطة التي تقوم بها السلطات المحليّة، تضايق الطفيليون أذناب الاستعمار، وتعرّض الشيخ لوشاية، ألزمته طلب ترخيص،اذ توسط له امام المدينة السيد داسه بلخضرلدى القائد فى الموضوع ،يوم 30 -12 – 1959 {3} وكان القائد” قدورمحمدي “من الرجال الأوفياء المتعاونين مع الثورة المحبين لزاوية الهامل، والذي كان له الفضل في استقدام شيخ زاوية الهامل الشيخ {مصطفي القاسمي } وأفراد أسرته الفارين يومئذ من بطش الاستعمار ومضايقاته، وأصبحوا سندا وعونا للشيخ في مشاريعه،وفي عام 1960 تحول الشيخ بمدرسته الى سكن فسيح ، {1} الأمرالذي ساعده على ادخال تعديلات معتبرة على البرامج والمواقيت ، وتنظيم فى المستويات ، { ابتدائي ، متوسط، ثانوي } ولما حدث التغيير، وتوسعت دائرة الطلبة، بشكل سريع، تعددت الاهتمامات،والمطالب، فاستجاب الشيخ لذلك، وشرع في ادخال فنون أخرىجديرة بالتدريس واستعان بالطلبة الكبار، الذين أجازهم، وبأبناء الزاوية الوافدين وشكل{4}منهم مجلسا للاشراف والتسيير والمتابعة..
05 – الفنون التي كانت تدرس : كانت تدرس في المدرسة الزاوية جميع الفنون الشرعيةوالأدبية، وعلوم اللغة والرياضيات – التفسير- الحديث – الفقه المالكي…. 
– البلاغة والعروض والأدب – النحو والصرف – التاريخ والجغرافيا 
– التصوف وعلوم التوحيد – الجبر والهندسة والحساب – السيرة النبوية
وقد جلبت الكتب من تونس والمغرب ، { الأجرومية – ملحة الاعراب 
النحو الواضح – ألفية مالك – قطر الندى – البلاغة الواضحة – متن ابن عاشر – رسالة أبي زيد – متن خليل وشراحه – هذه الجزائر- المطالعة العربية .. 
– تاريخ الجزائر علوم الفلك [ السنوسية والرحبية ] وكتب أخرى الخ……
06 – المنهجية وطرق التناول:كانت الطرق السائدة فى اعتماد الكتب واستعمالها في الزوايا والمدارس الحرة يومئذ، هي طريقة المتون وا لشروح والحواشي،أما فى مجال التدريس فالسائد هو: طريقة المحاضرات، وطريقة التلقين والقياس والتكرار 
وطريقة المحاورة أوالمناظرة،وحيث أن الشيخ سلفي فانه متأثربالمنهج

السلفي و بالطريقة السلفية في التدريس خاصة { الحلقة – جلوس الطلبة والشيخ..و..} بيد أنه كان يحاول التجديد، ويسعى الى تفادي عيوب طرق التلقين، والقياس، والالقاء ،وذلك بادخال فنيات وأساليب الحوار والتدرج من السهل الى الصعب، ومن المعروف الى المجهول، وهو ينتهج أسلوب التكرار، ويرى أن { المكرر أحلى }كمـا يري أن{ الشيئ اذا تكرر تقرر..} وهو يجدد الانتباه، بالمساءلة حينا أو باحالة الطلبة على النص أحيانا أخرى،وهذا لتحديد فكرة، أوتوضيح مسألة، أولضبط معلومة، ويعمل بمبدا التعلم الذاتي،{ذاتية التعلم } والمحاولة والخطأ الى أنه يظل يحتفظ بأسلوب الالقاء، والمحاضرة، ويوظف الطريقة القيّاسية، مع اثارة الاهتمام فى الموضوعات الجديدة { بعث الحيرة التربوية فى نفوس الطلبة } مع الاستعمال المكثف للمكتسبات القبلية { تغذية راجعة } معتمد ا على الذاكرة { الحفظ والاستظهار} وهو شغوف بالبحوث، اذ يلزم طلبته بذلك رغم أن مستواهم لايسمح لهم بذلك، وتجد هم مع ذلك يقرؤون ويطالعون، ويكثرون من الجمع والاقتناء ،ويجبرهم على الحفظ وعلى المذاكرة وأحيانا على المناظرة، كان يرفض أن ينصهر طلبته فى قوالب جاهزة، وأن يروا برؤاه، انماهو يبتهج ويسعد لما يراهم يبدعون، ويجتهدون،ويخالفونه في التمثيل والمنهج ولايمانع،واذا مافعلوا شجعهم وطاب بأعمالهم نفسا، كان شغوفا بالمناقشة الجادة،والمذاكرة والحوار، يميل الى البحث الممنهج ، والتحقيق في المسائل التي تثار، ويرى فى التلقين كبتا للقدرات، وتعطيلا للفكر، ومع ذلك يستعمل التلقين والقياس استعمالا يلازمه الحوار { المساءلة } كان ينظر للأمر فى ضوء حياته السابقة، وحياة أسلافه، فتلمع أمام عينيه حقائق يثيرها بشوق، ويرى أنه فى عرف الذين يزنون الأمور بميزان الأوامر والنواهي اجحافا، وأن الذين يكثرون من سرد التعليمات أويسرفون فى الوعظ والاستطراد إرهاقا للذاكرة وإماتة للابداع،كان اشرافه التربوي عريضا وعلمه واسعا، وحديثه ممتعا ومجالسه لاتمل، يجعلك تطلب المزيد وهو مبحربك فى احد الفنون، وانك لتستجيب تلقائيا لتوجيهاته، اذ يصب عقله كله فى الموضوع، ونفسه فى المسائل محل المعالجة،وهذه وتلك تجعلك تغوص في المسائل، وتذلل صعوباتها بنفسك باذلا مااستطعت من جهد اضافي، اذ قدرته علي الاقناع فائقة، و في التقبل والاستجابة سريعة،وفى النقد والمساءلة مقنعة، انه يشارك الأطراف كلها حتى من خارج حلقة العلم، ويثير لدى الجميع الدافعية والرغبة فى التحصيل، وحسبك أنك تجلس فى الحلقة فتكون فيها عنصرا مشاركا وفاعلا لامتلقيا فقط، وتلزم نفسك على المواظبة والحضور، وتبذل قصارى جهدك لتستفيد وتفيد..{والأرض دون الانسان لاتنبت قمحا } وفيما يلي بيان خطوات الدرس فى الفنون ا لتى كان يدرسها.. التفسير : من العلوم التي يهتم بهاالشيخ اهتماما خاصا في حلقاته تفسيرالقرآن الكريم ، ويكون الوقت عصرا، تدوم الحصة ساعة ونصف ، يستهل الدرس بمقدمة خطبة الرسول [صلى ] “..أمابعد فان أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي..” – يتلو الآيات الكريمات التي يريد تفسيرها ، وأحيانا كل السورة – يشرح معاني الألفاظ والعبارات شرحا وافيا – يذكر بأسباب النزول، ويتناول بعض القصص والأحداث التاريخية- يحدد المقاصد، ويجلي بكل وضوح العبر، ويضرب أمثلة- يستشهد بالحديث الشريف، وسيرة الرسول {صلي } والسلف الصالح، وهذه المحطة تنال حظا أوفر من الدراسة والتوقف – يختم الدرس بالدعاء التالي: “..نفعني الله واياكم.
بقية الفنون: طريقة التدريس فيها لاتختلف، وشبكة الاتصال والتواصل عمودية، وأحيانا تبادلية أفقية، فالطريقة كما بينا تتمثل في الحلقة،حيث يتحلق الطلبة حول الشيخ، فيلقى عليهم الدرس القاء وبعد ان يستمعوا الى سرد المتن، يكون الالقاء متبوعا باسئلة تضيئ جوانب الدرس وتثبت معانيه 1- المجموعة الأولى تتكون من فئة الأجرومية وابن عاشر 2-الفئة الثانية تتكون من فيئة قطر الندىورسالة ابن زيدون القيرواني.3- الفيئة الثالثة تتكون من فيئة الألفية والشيخ خليل ابن اسحاق.، بعد اتمام المقرر يتولى الطلبة بالتناوب سرد الشرح، أحدهم يقرأ قراءة معربة، وبقية الطلبة يستمعون ويتابعون واذا ماأخطا القارئ يتدخلون ويجري بينهم نقاش اثره يتم التذكير بالقاعدة أوالمعلومة وتوظف القاعدة توظيفا حيا،انها عمليات تطبيقية ادماجية تمارس فيها لغة الخطاب بشكل يسمح للطالب اكتساب آلياتها بالدربةوالمران ..

قرب عين وسارة، هناك طعن الزمن سفينته فاصطدمت سيارته بشاحنة متوقفة على حافة الطريق فى وضعية غير قانونية فمات وماتت الزوجة الكريمة أم الطلبة ” السيدة: رابعة” ونجا السائق، كان ذلك على الساعة الخامسة{17 }والنصف مساء من يوم الاثنين 14 رمضان 1390 هجرية الموافق لـ: 24 / 11 / 1969 …

07- اسهامات الشيخ فى الحياة الثقافية: 
نذر الشيخ عبد الحفيظ وقته في البحث عما ينفع الناس، فكان جهده كبيرا واسهاماته كثيرة،حتى وان كان لا يكفي في زماننا الجحود غزارة علم المرءوسعة أفقه مالم يكن له جماعة أو تلاميذ يقفون الى جانبه في حياته ومماته ويعطونه حقه أو على الأقل ينصفونه، وان الاعتراف بالجميل من خصال الأخيار، فهل انصف الشيخَ معارفُه وطلبته ؟ وسبق أن قلنا لم ينصفوه، فما هي اذن اسهامات الشيخ.؟ وما هي أعماله التنويرية ؟وأين هي ؟ باعتبارأن للشيخ نشاط تربوي علمي مشهود وحركة دؤوبة لاتتوقف،فقد ترك بصماته في الوسط، لأن نشاط الشيخ لم يتوقف طيلةحياته، وانه وبصرف النظر عن جلساته الخاصة والعامة، ومختلف الدروس العلمية، واللقاءات التي كان يحضرها، أويدعي الي تأطيرها. فانه كان يشرف على : 
4 -1- المحاضرات : كان يحاضر فى موضوعات تحدد مسبقا ، وخاصة بعد الاستقلال، ويحرص على المشاركة في الملتقيات وتشهد له بذلك أبحاثه القيمية ومداخلاته المستنيرة، كان محل اكبار وتقدير واجلال من الجميع، وللشيخ ولع شديد بجمع النوادروالأخبار. 
4-2- الحفلات : كان يشرف على تنظيم الحفلات، يركز فيها على احياءالأعياد الدينيةوالموسمية وسهرات رمضان ، هذه عند الشيخ مشهودة ،وتنظيمها يكتسي طابعا خاصا، من حيث الدروس، والمحاضرات،ويقحم طلبته فيها بعروض ومداخلات ووفاته كان سببها العجلة للعودة من مدينة الجلفة قبيل المغرب وهذا لحضور حفل مبرمج فى المسجد العتيق في البيرين..
4-3- المسرح : ان اهتمام الشيخ بالعمل المسرحي كان اهتماما ملحوظ ومدروسا، اذ يعتبرالمسرح مدرسة قائمة بذاتها، ويرى ثقافة الفرجة بصفة عامة محركة للوعي، بل هي الوعي ذاته.
4-4- الزيارات والرحلات : يتجوّل الشيخ مع طلبته كثيرا، ويري فى ذلك فوائد كثيرة، تبعا لقول الشاعر. “..سافر ففى الأسفار.الخ ..” ولذلك تجده يبرمج الأسفار والزيارات ويحضّرلها تحضيرا ماديًا ونفسيًّا، والرحلة ليست للرحلة كما يقول:ولكنها دروس واختبارات وبحث علمي واكتشاب، واذ ماعاد الطلبة من رحلتهم عادوا ومعهم ذخيرمة من الكتب والمعارف، وقد رحل الى كثير من المدن والبلدان المجاورة رغبة منه في الاطلاع وتوسيع دائرة معارفه العلمية عن طريق الاحتكاك ولقاءات الأفاضل.. 08- أعمال الشيخ الفكرية وآثاره : 
8-1 الشيخ الكاتب : يوم أن كان الناس يجهلون أهمية التدوين والتوثيق. قام الشيخ بتدوين الكثير من الأعمال الأدبية والعلمية اذ يعودالفضل له في حفظ وتدوين أعمال القاسميين الابداعية والبحثية والتصوفية قي الزاوية القاسمية، ولولاه لضاعت معظم آثار المشايخ فى الزاوية، كان أسلوبه الكتابي متميزا جدا وراقيا وحديثه يتجاوز الذاتية الضيقة، تتفجرفي نفسه ينابيع القوة، كانت لغته متجنحة متألقة متدفقة يحلق في أفق الخيال بأجنحة مرهفة، له مقالات أدبية وفكرية رائعة،ذات بعد انساني وتربوي كتب فى جريدة ” المحافظة ” المحلية، والتي أصبحت تحمل العنوان ” الروح ” عام 1948وكتب في جريدة {الرشاد} أجمل المقالات، وهي جريدة اسسها الحاج عبد القادر قاسمي، وانتظم معه في جمعية {السنة }و حقق فى موضوعات فقهية جديرة بالاهتمام،تتعلق بالمعاملات وأحوال الأسرة ولغوية ركز فيها على الاعراب، والاشتقاق وتاريخية تحدث فيهاومن خلالها على العروش، والقبائل ، ومقاومة الاستعمار الفرنسي وعن الثورة وبعض الأحداث فيها ، وله مراسلات كثيرة، واخوانيات، وسيرة ذاتية محفوظة، ذكرفيها مقابلاته لشخصيات بارزةعربية وأجنبية، وتحدّث عن بعض الانشغالات العائلية،ويتعجّب من محاولة الاطاحة بالوليّة الصالحة {لا لا زينب بنت الشيخ محمد بلقاسم }مؤسّس الزاوية الهاملية ، ومالقيت من معارضة من طرف بعض أفرادالعائلة، وتحيز أطراف القضاء والادارة الفرنسيّة لصالح أطراف ومنعها من الحركة ،الشيخ يذكر القصّة بمرارة لكنه يتباهي بصمودالسيدة زينب ، ويسجل رحلاته الى الزيبان وجامعة، ومناطق أخري من الوطن، وكانت رحلته الى بيت الله الحرام بداية لعهد جديد، يقول :انه اكتشف من خلالها أشياء لم يكن يعرفها.تمتاز كتاباته بالأسلوب العلمي الرصين وهو كثير التدقيق في المسائل وتأصيلها،فيتبع المسألة جلدا وقراءة ويشارك الطلبة والفقهاء .
8-2- الشيخ الخطيب: وهو خطيب مفوه، له الكثير من الأعمال، كخطب الأعياد والمناسبات، واللقاءات خاصة بعد الاستقلال. 8-3- الشيخ الشاعر : وله مايربو على الفين ومئتين وخمسة وثمانين بيتا من الشعر{2285 } فى مختلف الأغراض، وأهم أشعاره ما اشتمل عليها ديوانه المسمى “..شذي الياسمين ..فى ماقيل فى القاسميين..” وشعره تقليدي يميل الى النظم، ويهتم بالشعر الشعبي كثيرا ويعتبره فضاء أدبيا متميزا،يعبر عن مشاعر محبيه، وهو أقرب الي فهوم العامة وأنسب.
8-4- الشيخ الجمّاع : يهتم الشيخ بالادب الشعبي، الذي استرجع دوره الاعلامي التحريضي في الثورة ويهتم بالطرائف والألغاز والحكم والقصص الشعبية، وله كراسات جمع فيها مايزيد على {12 الف } بيت من الشعر الملحون، لأكبر الشعراء وأغزرهم انتاجا، وفى جميع ألأغراض أكثرهذه الأشعار مدائح ومراثي، وأعجبت كثيرا بكراسة كبيرة صنفها على منوال كتاب ” المستطرف } لاأدري ان كانت ماتزال محفوظة . 8- 5- الشيخ يكتب المقالات :وقد حاول الشيخ انشاء مجلة وأطلق عليها اسم ” الجيل الصاعد” جمع فيها مقالات ودراسات وأعمال فنية مختلفة،وكنت أنا المشرف على جمع مادتها، وللأسف لانعلم أين ذهبت تلك الأعمال.؟ وله أعمال منشورة في جرائد محلية ووطنية.
8-6- الشيخ المجاهد : شارك فى الثورة بشجاعة وبكل صدق، وتعرض لمضايقات كثيرة، وكان قائد فرقة الدرك الفرنسي يحضر الى منزله ويمده بكل الأسرار، ليعمل على تبليقها الى عناصرفي جيش وجبهة التحرير الوطني، وكان على اتصال بقيادة الجيش،التي عينته قاضيا أثناء الثورة وعشية الاستقلال.
.8-7- الشيخ رئيس لجنة التربية والتعليم : حدث هذا بعد توقيف القتال مباشرة حيث بادر الشيخ بتعويض هيئة التدريس وهذا بتشكيل لجنة للتربية والتعليم، عناصرها : {عوج بنمالك ، قاسمي محمد الصغير، لمين عبدالرحيم، رحماني محمد ،عمراني مصطفي ،غويني بلقاسم ،الخ…} اشرفت على انهاء السنة الدراسية {61/62 } وحضرت للموسم الموالي {62/63 } وتولي التدريس طلبة الشيخ وبعض المجاهدين المفرج عنهم من سجون فرنسا ..{..لمين عبد الرحيم ، قاسمي يحي ،محمد الصغير داسه ، العيد عوج ، محمد ابراهيمي ، رحماني علي ، الخ..}
09- الشيخ وحركة الاصلاح : للشيخ علاقة طيبة جدا مع أعضاء في جمعية العلماء المسلمين، وهو متأثر بالحركة البادسية خاصة، وبالفكر الاصلاحي في المشرق عامة، لذلك فتوجيهاته وآراؤه فى الاصلاح مستمدة فى الغالب من برنامج جمعية العلماء، يهتم بمطالبهم وأفكارهم المنشورة فى جرائدهم، مثل الشهاب وغيره، وباعمال الشيخ البشير الابراهيمي الفكرية خاصة التي جمعت فى كتاب{ عيون البصائر } وهو وان كان من أبناء الزاوية بل من شيوخها الا أنه أكثر المشايخ وعيا وتفتحا على المحيط الثقافي والاجتماعي والسياسي، وله آراء واضحة فى المجال الاصلاحي، وقودها التغيير، ومحاربة البدع والخرافات والكسل والخمول، وهو يرفض التواكل وينبذالعنف، ويحترم الآخرين مهما كانت اتجاهاتهم وآرؤهم وينصفهم، ولايرفض أحدا ، وهو يسعى الى تهذيب السلوك والذوق الرفيع, وترقيّة أفكار الشباب وتحديثها عن طريق الحوار وعصرنة الحياة بالتفتح على الثقافات العالمية، ولكنه يحذر بقوة من التغريب، والذوبان فى ثقافة وفكرالآخر، ومن التخلى عن الثقافة الاسلامية وعن التقاليد الوطنية والعادات الطيبة التي لاتتنافي مع قيمناالعربية الاسلامية.
09 – مشاريع الشيخ: وهي فى الميدان الثقافي كثيرة ، وقد اشرنا الى بعضها، أما فى ميدان العمران فهي: 
9-1- مشروع بناء المدرسة: فكر فى الموضع، وخامرته الفكرة ، ولما تزايد عدد الطلبة اهتدي الى حل تمثل فى شراء مساحة كبيرة تابعة لسكن قديم، وشرع فى العمل ، لكن الموت لم يمهله، فتوقف المشروع بتوقف أنفاس الشيخ الطاهرة وضاع الحلم 9-2- مشروع بناء المسجد: وظلت الفكرة تراوده ،وقد اختار المكان بنفسه ،ذاك الذي شيّد فيه المسجد الكبير الحالي، وسط ساحة أول نوفمبر، ظل يثير الموضوع فى مجالسه، وكعادته يزرع الفكرة ويتعهده بالمتابعة، ويترك أهل الخير يبادرون، وفعلا فان جماعة البيرين طيّب الله ثراهم ،حققوا الحلم، وأطلقوا اسم الشيخ على المسجد الكبيربعد انجازه، عام 1987 فى حفل بهيج حضره الحاج خليل شيخ زاوية الهامل يومئذ،وأقطاب من العلماء وأشياخ الزوايا وأعضاء في المجلس الاسلامي الأعلي، ووالي ولاية الجلفة ..واطارت وزارة الشوؤن الدينية.. 10- حادث المرور ووفاة الشيخ: كان الشيخ عائدا من الجلفة،يستحث الخطي لحضور حفل مقام فى المسجد العتيق، بالبيرين، بمناسبة احياء ليالي رمضان، والحفل مبرمج من طرف الشيخ نفسه، ضمن سلسلة من المحاضرات والدروس، وكان مدعوا لتناول الفطور عند شيخه ” بن عزوز القاسمي ” بعين وسارة ، ترافقه زوجته ، وكانت مريضة، وعلى الطريق الوطني رقم واحد فى مكان يدعي” بوسدراية” قرب عين وسارة، هناك طعن الزمن سفينته فاصطدمت سيارته بشاحنة متوقفة على حافة الطريق فى وضعية غير قانونية فمات وماتت الزوجة الكريمة أم الطلبة ” السيدة: رابعة” ونجا السائق، كان ذلك على الساعة الخامسة{17 }والنصف مساء من يوم الاثنين 14 رمضان 1390 هجرية الموافق لـ: 24 / 11 / 1969 . وبات فى المسجد العتيق بعين وسارة جثة هامدة مع زوجته،نزل الخبر الصاعقة على سكان البيرين والمدن المجاورة في ليلة لن ينساها التاريخ،فهب الكبار والصغار لالقاء نظرة الوداع عليه، ودفن.فى الهامل، فى موكب جنائزي مهيب قل نظيره..وقام يؤبنه حشد من الشعراء والأدباء ومن بينهم الشيخ الأزهاري القاسمي ابن الشيخ المكي، قال في قصيدته: {كفى اسفا كفى كمدا وحزنا*غيابك ياوحيد العصر عنا مصاب لايقاس به مصاب** ورزء هدّ ركن الصبر منا أصخت بسمعي والليل داج ** لنعيك ليتني لم أصخ أذنا لتبكيك المروءة يوم فقد**اذا هي لم تجد كفؤاوحصنا وتبكيك العلوم فأنت **فقيد في مجال العلم قرنا } 
وقال الشاعر الشعبي اخذري علي من قصر الشلالة: {سِي لزَهَاري ياابني لازم تصبر*ياثمرة فلاج بحبح رد البال شيخ التلاميذ للدرس يعبّر* وافترقوا في يوم وفاة همال ياحصراه عمارة البر تودّر* دَرْق ذاتو والسماء باقي خيال احزن يا برين دائم والتفكر* حزنك جائز في الشرع ماه محال ياخزانة شوفتي مفتاحك مُر* ماهو بالصنعة ولايشروه بمال } 
11- المدرسة بعدالشيخ : وبعد الوفاة ، بدت المدرسة وكأنها متعبة حزينة تعاني من الناحية المادية والمعنوية تئن تحت وطأة الفراغ المهول الذي تركه الشيخ، نهبت مكتبتها وتوزعت شذر مذر. { مدارس آيات خلت من تلاوة ** ومنزل وحي مقفر العرصات ..} دعبل الخزاعي ولذلك راحت المدرسة تتعثر،رغم الجهد المعتبر الذي بذله الشيخ الكريم محمد بلقاسم القاسمي ابن الشيخ بن عزوز، وفاء منه لخاله،اذ تولي الاشرا ف على إدارة المدرسة، برجاء من جماعة البيرين وبمساعدة طلبة الشيخ {بن الطاهر الحاج- محمد الصغير داسه.- العيد عوج ، مصطفي بن عطاء الله ، عمراني مصطفي، البشيربن عطاء الله ، مجاهدي بلقاسم ،،قاسمي أحمد ،دحية بلال ، عوج رابح ،عامر بن عطاء الله ، خضراوي حسن.. الخ } وقد استعادت عافيتها وبدأت تخطو خطوات ثابتتة ميسرة لتتوقف نهائيا عام 1975اثر صدور المرسوم المتعلق بالغاء التعليم الأصلي والتعليم في المدارس الحرة، وتوحيد التعليم {1}أوصدت المدرسةأبوابها في موفي شهر نوفمب 12 – الطلبة والأساتذة : أدمج جميع الطلبة فى التعليم
المتوسط والثانوي، وألحق الأساتذة بالوظيفة العمومية، وحتى الأساتذة الشرقيين،استفادوا من الاجراء. 13 – الخلاصة : كان الشيخ عبد الحفيظ يعمل بذكاء وفي صمت وهدوء، ليتجنب المضايقات الاستعمارية، وقد امتاز تفكيره بلون من الاهتمام بالعمل السياسي الراقي، وكان صمت الجوّ وقمع الحريات، ينقل الأصداء والمشاعر ويوطنها فى النفوس المتوثبة، ثم يترجمها الى أفعال فى شيء من الحساسية والثبات، ويكسوها هذا الثوب الألق، جهادا طريا، لاتخالطه قسوة ولانشوة، وانما دعوة صادقة الى الجها د، الي مناصرة الثورة المقدسة، وطلب العون المعنوي لها ثم المادي .

يتردّد الضابط ” الطيب ” من فرقة الدرك الفرنسي على المدرسة ، وفى الزيارة يكون الحديث “..المغمض العينين ..” وباللمحة الخاطفة تقنعهما الكلمات السريعة، ويقضي الله أمرا كان مفعولا ،
وتتجدّد اللقاءا ت بتجدّد المستجدات، وتنضج خميرة الحياة السيّاسية ، فى صفوف الطلبة، ويشاركون في مظاهرات 11- 12 – 1961. وتكون المدرسة قد أوعزت الى طلبتها بتنظيم الصفوف، والتجمهر
قبالة الثكنات، وقد انطلقوا كالمارد يحملون الأعلام الوطنية ، ويهتفون بحياة الوطن،ومن ذا الذي يتجرأ فى هذه الأجواء على
حمل الراية، أوالهتاف بحياة الوطن،ولم يتوقف نشاط الشيخ الاصلاحي والجهادي بعد الاستقلال، بل كان له حضور متميزفي جميع مجالات الحياة ،ولقد توسعت المدرسة في عام 1962 
وفي عام 1963أدخلت على هياكله ترتيبات بيداغوجية جديدة ، محلات مجهزة، وبرامج حديثة، وكتب عصرية، ومستويات أكثر تنظيم{ ابتدائي – متوسط – ثانوي } وذاع صيتهاوحضر الطلبة من كل حدب وصوب، من جميع الولايات تقريبا، واستعان بأساتذة مصريين وفلسطنيين، وسوريين، وساعده فى التسيير طلبته الذين وظفوا فى المدرسة ، واطارات من وزارة التربية وكانت للمدرسة مرافق أهمها مكتبة زاخرة بالكتب النادرة ، والسندات البيداغوجة، والوسائل العلمية،ونظرا لتزايد عدد الطلبة ، واكتظاظ الحجرات بالدارسين، فتح الشيخ ملحقات في كل من { عين بوسيف، شلالة العذاورة، عين وسارة..} كان الطلبة يتفكهون بقولهم من،دخل مدرسة النجاح فهو آمن، أي فهو ناجح،وفعلا فجل الناجحين فى امتحان التوظيف، على مستوي ولاية التيطري وخاصة وظيفة معلم هم من مدرسة النجاح بالبيرين، وقد بلغ عدد المتخرجين من المدرسة أزيد من{ 1200 متخرج ،والشيخ لم يخلف أولادا وإ نما خلف طلبة، كان يذكرهم ويعتز بذكرهم كثيرا ، وكانوا يذكرونه فى مجالسهم،كمثل يقتدي،ونجم ببريق أنواره يهتدى، تغمده الله برحمته وطيب ثراه وجزاه الله عنا كل خير ، وجعل عملنا هذا خالصا لوجه الله الكريم… 

بقلم محمد الصغير داسة /// مجلة أصوات الشمال

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة أخبار عين وسارة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.